ست العجم بنت النفيس البغدادية

69

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

عن الشهود المتمكن اليقيني ، لكن لا يطلق الشهود والمتمكن إلا عند تمكين المعرفة فليس قوله له : ( أشهدني ) مثل قول القائل : أوقفني وأطلعني ، لأن الاطلاع يطلق على تحصر البصر في قريب والدليل على ذلك أن كلما بعد عن البصر ، فإن البصر لا يحكم عليه بحصر أي : لا يحيط به ، وقد قال الشاعر في هذا المعنى : أعد نظرا فالظن كالعين لا يرى * على البعد أبعاد الجسوم كما هيئا فالشهود في قوله : ( أشهدني ) يباين الاطلاع ، وأما مباينته للوقفة فمن حيث أن كل من قال أوقفني ، فإنه يعني به الوقوف في محل يقتضي به الوقفة لا يقدر على الانفصال منه جريا إلى حيث رجوعه من ذلك الخلع بعينه ، بخلاف الناطق بالشهود ، فإنه يعريه إلى محل عام تندرج تحته الوقفة والشهود والاطلاع ، فأما وقفته ففي محله اللائق بعموم شهوده كقوله عليه السلام : « زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها « 1 » » . وأما اطلاعه فتقييد بصره لما يسمع بشهوده بشرط قوله : ( أشهدني ) ، وأما شهوده العام المباين بالوقفة فلا يكون إلا بعد الاطلاع والوقفة حتى يحصل له عموم الشهود بأنها مقامات متعددة والشهود يعمها . فقوله : ( أوقفني ) متفرد بنفسه يباين الشهود لأجل تقيده عن الجري كما ذكرنا إذ من شروط الشهود الجري والوقفة مع الاطلاع اللائق بها تستند إلى المهلة ، فإن الواقف يباين الجاري في مضمار الشهود ، والواقف قد نفى عن نفسه الجري بقوله : ( أوقفني ) والاطلاع أيضا مقيد بحصر البصر كما ذكرنا والناطق بالشهود كما تقدم شاهد في جريه ، ولهذا يعم شروط المراتب المذكورة . فقوله : ( أشهدني ) يعني به الشهود ذا الجري لأن لفظ الكامل بالشهود يباين لفظ الناقص ، وإن كانا مشتركين في اللفظ ، فإن الكامل يضع لفظ شهوده في محله والناقص ينطق به مزعزعا عن محله اللائق به ، وعند الامتحان بالمعرفة يفترق الناقص والكامل ولا يعرف هذا إلا متمكن كامل . وقوله : ( أشهدني الحق ) يريد به شهوده لصورة الحق بهذه الصفة في حال تيقظ الدراكة كما ذكرناه ، وصورة هذا التيقظ هو استمداد الزيادة المذكورة لأجل بطون الدراكة الظاهرة بظهور الدراكة الباطنة ، لأن الإدراك هاهنا في عالم الظاهر جزئي والإدراك

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2215 ) ، وأبو داود ( 4 / 97 ) ، والترمذي ( 4 / 472 ) ، بنحوه .